نائب رئيس جامعة الأزهر: الاجتهادات البشرية ليست معصومة ولا في منزلة النصوص الشرعية

أكد الدكتور رمضان عبد الله الصاوي، نائب رئيس جامعة الأزهر للوجه البحري، أن من أبرز التحديات التي تواجه الدراسات الشرعية والإسلامية هو الخلط بين الشريعة كنصوص مقدسة والاجتهادات الفقهية البشرية، موضحًا أن الاجتهادات الفقهية ليست معصومة، ولا يجوز وضعها في منزلة النصوص الشرعية.
جاء ذلك خلال كلمته في المؤتمر الدولي الأول لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بجامعة الأزهر بالمنصورة، والذي يُعقد تحت عنوان: «التحديات المعاصرة للدراسات الإسلامية والعربية: رؤى وآفاق»، بحضور عدد من قيادات الأزهر ولفيف من عمداء ووكلاء الكليات بجامعة الأزهر، وأعضاء هيئة التدريس، والمتخصصين، وعدد من القيادات الإدارية والتنفيذية بالجامعة.
أوضح نائب رئيس جامعة الأزهر أن النصوص القرآنية والنبوية ذات قدسية ثابتة، في حين يدور الاجتهاد الفقهي حولها تحليلًا واستنباطًا وشرحًا، مشددًا على أن تقديس الاجتهادات البشرية يؤدي إلى تأليه الفكر الإنساني، وينتج عنه التشدد والتطرف والمغالاة، وهو ما يرفضه الأزهر الشريف، باعتباره منبر الوسطية والاعتدال.
وأكد أن الشريعة الإسلامية تمثل المرجع الأسمى للأحكام، أما الاجتهادات الفقهية فهي نتاج بشري يخضع للتطور والتغيير وفق مقتضيات العصر، داعيًا إلى عدم الجمود عند التراث الفقهي، وإنما التعامل معه بوعيٍ نقدي يُبقي على الصالح منه، ويطور ما يحتاج إلى تجديد.
تطرق الدكتور الصاوي إلى الدور البارز للأزهر في دعم القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن الأزهر قدم من المساعدات لأهل غزة ما عجزت دول كثيرة عن تقديمه، مشددًا على موقف الأزهر الحاسم في رفض التهجير القسري والإبادة الجماعية التي تمارسها قوات الاحتلال الصهيوني، وهو ما يتسق مع موقف الدولة المصرية الرافض لأي محاولات لتصفية القضية الفلسطينية.
كما أشاد بدور الأزهر الشريف في التوعية بالقضايا الفكرية المعاصرة؛ مثل: الإلحاد، وتصحيح المفاهيم الدينية المغلوطة، منوهًا إلى جهود مركز الأزهر للفتوى الإلكترونية والمبادرات التوعوية التي أطلقها الأزهر لتوجيه الشباب والرد على الشبهات الفكرية.
وأعرب نائب رئيس جامعة الأزهر عن استهجان الأزهر الشريف لظاهرة تصدر غير المؤهلين للفتوى، محذرًا من انتشار الفتاوى الزائفة عبر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن الأزهر الشريف يتصدى لهذه الظاهرة من خلال إعداد المفتين وتأهيلهم، سواء داخل مصر أو عبر برامجه الإلكترونية العالمية.
وأشار الدكتور الصاوي إلى أبرز التحديات التي تواجه الباحثين في الدراسات الإسلامية والعربية، ومنها: ضعف القدرة العلمية والابتكار، مؤكدًا أن الباحث المتمكن هو الذي يمتلك رؤية متجددة وقدرة على التطوير، في حين أن الجمود والاعتماد على التقليد يعيق التطور الفكري، وكذلك غياب الموضوعية في النقد، موضحًا أن كثيرًا من الباحثين ينشغلون بهدم أفكار الآخرين بدلًا من تقديم بدائل بنّاءة، مما يعيق حركة التجديد والرقي.
بالإضافة إلى تحدي التحيز للأفكار المسبقة، حيث شدد على ضرورة تحرير العقول من الجمود والتعصب، واعتماد المنهج العلمي في البحث، وأخيراً عدم مراعاة الجمهور المستهدف، مستشهدًا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «خاطبوا الناس على قدر عقولهم»، مشددًا على أن تبسيط الطرح العلمي واختيار الأسلوب المناسب يعزز الفهم والقبول.
ولفت نائب رئيس جامعة الأزهر إلى أهمية الذكاء الاصطناعي وتأثيره في مجالات الترجمة، وتصحيح صورة الإسلام، والتعامل مع المستجدات الفكرية، مشددًا على قدرة الأزهر على تحقيق معاصرة رشيدة مع التطورات التكنولوجية، مع الحفاظ على المنهج الوسطي في التعليم والتوعية.
وفي ختام كلمته، أكد الصاوي أن هذا المؤتمر يمثل جزءًا من دور الأزهر الشريف في معالجة القضايا الفكرية والتحديات التي تواجه المجتمع، داعيًا إلى الخروج بتوصيات علمية تُسهم في تطوير الدراسات الإسلامية والعربية بما يتناسب مع متطلبات العصر.
كما تقدم بخالص الشكر لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالمنصورة على جهودها في تنظيم هذا المؤتمر، متمنيًا أن يثمر عن دراسات وتوصيات تُنير الطريق أمام الباحثين والمهتمين بالدراسات الشرعية والفكرية.
واختتم نائب رئيس جامعة الأزهر كلمته بالتأكيد على أن الأزهر الشريف سيظل الحارس الأمين للوسطية الإسلامية، والمرجع العلمي والفكري لملايين المسلمين حول العالم، داعيًا الله أن يحفظ مصر وأزهرها الشريف، وأن يوفق القائمين على هذا المؤتمر لما فيه خير الإسلام والمسلمين.